الغزالي

173

إحياء علوم الدين

فالجواب ان وجه الجمع بين هذه الأخبار تفصيل الأحوال . فنقول لسنا نقول التجارة أفضل مطلقا من كل شيء ، ولكن التجارة اما أن تطلب بها الكفاية ، أو الثروة ، أو الزيادة على الكفاية . فان طلب منها الزيادة على الكفاية لاستكثار المال وادخاره ، لا ليصرف إلى الخيرات والصدقات ، فهي مذمومة . لأنه إقبال على الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة . فإن كان مع ذلك ظالما خائنا ، فهو ظلم وفسق . وهذا ما أراده سلمان بقوله ، لا تمت تاجرا ولا حائنا . وأراد بالتاجر طالب الزيادة . فأما إذا طلب بها الكفاية لنفسه وأولاده ، وكان يقدر على كفايتهم بالسؤال ، فالتجارة تعففا عن السؤال أفضل . وان كان لا يحتاج إلى السؤال ، وكان يعطى من غير سؤال ، فالكسب أفضل . لأنه انما يعطى لأنه سائل بلسان حاله ، ومناد بين الناس بفقره . فالتعفف والتستر أولى من البطالة ، بل من الاشتغال بالعبادات البدنية . وترك الكسب أفضل لأربعة : عابد بالعبادات البدنية ، أو رجل له سير بالباطل وعمل بالقلب في علوم الأحوال والمكاشفات ، أو عالم مشتغل بتربية علم الظاهر مما ينتفع الناس به في دينهم ، كالمفتى والمفسر والمحدث وأمثالهم ، أو رجل مشتغل بمصالح المسلمين وقد تكفل بأمورهم ، كالسلطان والقاضي والشاهد . فهؤلاء إذا كانوا يكفون من الأموال المرصدة للمصالح ، أو الأوقاف المسبلة على الفقراء أو العلماء ، فإقبالهم على ما هم فيه أفضل من اشتغالهم بالكسب . ولهذا أوحى إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ، ولم يوح إليه أن كن من التاجرين ، لأنه كان جامعا لهذه المعاني الأربعة إلى زيادات لا يحيط بها الوصف . ولهذا أشار الصحابة على أبي بكر رضي الله عنهم بترك التجارة لما ولى الخلافة ، إذ كان ذلك يشغله عن المصالح . وكان يأخذ كفايته من مال المصالح . ورأى ذلك أولى . ثم لما توفى أوصى برده إلى بيت المال ، ولكنه رآه في الابتداء أولى ولهؤلاء الأربعة حالتان أخريان ، إحداهما أن تكون كفايتهم عند ترك المكسب . أيدي الناس ، وما يتصدق به عليهم من زكاة أو صدقة ، من غير حاجة إلى سؤال . فترك الكسب والاشتغال بما هم فيه أولى . إذ فيه إعانة الناس على الخيرات ، وقبول منهم لما هو حق عليهم وأفضل لهم . الحالة الثانية الحاجة إلى السؤال . وهذا في محل النظر . والتشديدات التي رويناها